الريالات الثلاثة
أشار علي أحد الأحباب يوم من الأيام , بفتح حلقة لتحفيظ القرآن الكريم للنساء في الحي الذي أسكنه , وكنت آنذاك , مشرفا للجنة النسائية بالحي , فتم التنسيق مع الجهة المسؤولة في المنطقة , وتمت الأوراق الرسمية , وإتخذت الإجراء المناسب حيال ذلك , ولم أنس ذلك اليوم الذي إستلمت فيه التصريح لفتح الحلقة , وقد عينت مشرفا على هذه الحلقة , وتم مخاطبة المعلمة , ومخاطبة النساء للدراسة في هذه الحلقة , وكن النساء متحمسات لهذا الأمر , ولكن سرعان ماتبددت الفرحة ونضب الحماس , وزار الهم والغم , حيث أخبرت أنه لابد من دفع مبلغ (ثلاثة آلاف ريال) وذلك رسوم للحلقة . وفي الحقيقة لم أكن أملك مبلغا كهذا . ولا قريبا منه, في تلك الفترة , فعشت تلك الفترة في هم وتفكير دائم , وتكاثرت الأسئلة في الذهن , عن كيفية الحصول على مبلغ كهذا ؟ بدأت التفكير في الكثير من الموسرين , ولكن كم كان الشيطان يثبط العزم ويوهن القوى , ويضع الحواجز والعقبات . إحترت في أمري , إقترب الموعد , وضاقت بي الأرض , فكم هو صعب أن ترى أملا كالصرح يتهادى أمامك دون أن تملك له شيئا , وفي يوم من الأيام وأنا خارج من المنزل إلى المسجد وذلك في صلاة العصر , وإذ بي أسمع من يناديني , إلتفت ناحية الصوت , نظرت فإذا بطفلتين وطفل لم يتجاوز أعمارهم العاشرة , وقفوا أمامي وكلي إستغراب ماذا يريدون ؟ وماذا يطلبون ؟ تقدموا شيئا فشيئا , حتى وقفوا أمامي مباشرة , وكانت إحداهن تخفي شيئا في كفها وقد وضعتها وراء ضهرها , ثم إبتسمت وقالت ( سمعت أنك تجمع مالا لتفتح حلقة للقران , ثم فتحت يدها الصغيرة وكان فيها مبلغا من المال قد تهالك من شدة ما قد قبضت عليه , ثم قالت خذ هذه ثلاثة ريالات لي ولأختى ولأخي نتبرع بها للحلقة ) نظرت لهم بإكبار وأخذت منهم ذلك المبلغ ثم ذهبوا من أمامي وأنا أنظر إلى ثلاثة جبال شامخة تتحرك من أمامي , وبعد ذلك توقد العزم , ثارت الركائب , وذهبت هنا وهناك لأجمع ما تبقى من المبلغ
فقدمت العجائز ما جادت بها أنفسهن , وقدمت الفتيات من حصيلتهن , فما لبثت إلا قليلا وإذ بي أجمع المبلغ كاملا , وفتحت الحلقة ودرس النساء , وحفظن الأجزاء من القرآن , ويدرس بها ما يقارب الثلاثين , ولها ما يقارب السنتين , وهي تعطي عطائها , وإني إلى هذه اللحظة التي كتبت فيها هذه الأحرف لا أعرف أصحاب (الريالات الثلاثة)
|